شوقي ضيف
191
المدارس النحوية
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل وهو إبعاد في الفهم والتقدير « 1 » . وعلى شاكلته ذهابه إلى أن كيف قد تأتى حرف عطف ، وأنشد على ذلك قول بعض الشعراء : إذا قلّ مال المرء لانت قناته * وهان على الأدنى فكيف الأباعد وهو خطأ واضح لاقترانها - كما قال ابن هشام - بالفاء ، وقد خرّجها على مضاف محذوف ، تقديره : فكيف حال الأباعد . ويمكن أن يكون جر الأباعد ضرورة شعرية وأن البيت من قصيدة مكسورة الدال « 2 » . وله من هذا القبيل آراء يغرب فيها إغرابا بعيدا ، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن الفاعل ونائب الفاعل قد يكونان جملة مثل « يعجبني تقوم » والجمهور يؤوّل ما قد يظن فيه ذلك من صور الكلام « 3 » . وكان يذهب في مثل « مؤدبنى » إلى أن النون فيها تنوين لا نون ، حتى يفسح لإعمال اسم الفاعل في الياء النصب ، وردّ ذلك ابن هشام بأنها لو كانت تنوينا لما دخلت على اسم الفاعل الألف واللام في مثل « الموافينى » من قول الشاعر : « وليس الموافينى ليرفد « 4 » خائبا « 5 » » . ومن ذلك أن البصريين وجمهور النحاة كانوا لا يجيزون الجمع بين الفاعل والمفعول في نعت واحد ، فلا يقال « ضرب زيد عمرا الظريفان » وجوّز ذلك هشام مع اختيار الرفع « 6 » . وكان يذهب إلى أن الواو العاطفة للجمل تغنى غناء الضمير في الربط بين المبتدأ وخبره فيقال مثلا « زيد جاءت هند وأكرمها » ومنع ذلك الجمهور لأنه لم يرد به سماع ولأن الواو إنما تكون للجمع في المفردات لا في الجمل بدليل جواز « هذان : قائم وقاعد » دون « هذان يقوم ويقعد » « 7 » . ولعل في كل ما أسلفنا ما يوضح نشاط هشام في درس النحو على ضوء الأشعة التي سالت من آراء الكسائي وأصوله التي وضعها لنحاة الكوفة من بعده ، وقد مضى في إثره يكثر من الاتساع في الرواية والقياس والخلاف على البصريين والنفوذ إلى آراء جديدة ، يداخلها كثير من البعد والإغراب .
--> ( 1 ) الرضى 2 / 340 . ( 2 ) المغنى ص 227 والهمع 2 / 138 . ( 3 ) المغنى ص 448 ، 478 . ( 4 ) يرفد : يعطى . ( 5 ) المغنى ص 381 ، 716 . ( 6 ) الرضى 1 / 290 . ( 7 ) المغنى ص 555 والهمع 1 / 98 .